الشيخ محمد رشيد رضا

119

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة : « جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ » قال حواجز ابقاها اللّه في الجاهلية بين الناس ، فكان الرجل لوجرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب ، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه . وكان الرجل لو لقي الهدي مقلدا وهو يأكل العصب « 1 » من الجوع لم يعرض له ولم يقربه ، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس . وكان إذا نفر ( أي عاد من الحج ) تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر « 2 » فمنعته من الناس « 3 » حتى يأتي أهله - حواجز أبقاها اللّه بين الناس في الجاهلية اه والمختار أن جعل اللّه تعالى هذه الأشياء قياما للناس هو جعل تكويني تشريعيّ معا ، وهو عام شامل لما تقوم به وتتحقق مصالح دينهم ودنياهم ، وشامل لزمن الجاهلية وعهد الاسلام ، ولكن له في كل من العهدين صورة خاصة به - ففي عهد الجاهلية كان التكويني أظهر والتشريعي أخفى ، لأنهم على إضاعتهم لشريعة إبراهيم وإسماعيل ( ص ) الا قليلا من مناسك الحج مزجوها بالوثنية والخرافات الوضعية كانت آيات اللّه تعالى التكوينية ظاهرة فيهم ، كما تقدم بيانه آنفا ، وسبق ما في معناه في سورة آل عمران . وأما في عهد الاسلام فالتشريعي أظهر ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي فعل ذلك الجعل لأجل أن تعلموا منه إذا تأملتم فيه انه تعالى يعلم ما في العالم العلوي والسفلي وان علمه محيط بكل شيء . وذلك أنه عز وجل جعل في قلوب العرب في طور جاهليتها وغلظتها وتفانيها في الغزو والسلب والنهب تعظيما لهذا المكان وللأعمال التي تعمل فيه وللزمن التي فيه تؤدى هذه الاعمال هنالك منعهم من اعتداء بعضهم على بعض ، وكان سببا لحقن الدماء وسعة الرزق ، وقد عجزت جميع أمم الحضارة

--> ( 1 ) العصب بالتحريك أطناب المفاصل التي تلائم بينها وتشدها وهي لا تمضغ ولا تهضم فلا تغذي ( 2 ) الإذخر نبات عطر يكثر في الحرمين ، والسمر بالتحريك شجر معروف ( 3 ) منعته حمته وحفظته فلا يعتدي عليه أحد لأجلها